ابن كثير
62
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الذي يقدر على صرفه عن ذلك ، ثم قال وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي جميع الموجودات ملكه وخلقه ، وهو القادر على ما يشاء ، لا يسأل عما يفعل بقدرته وسلطانه وعدله وعظمته ، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة . ثم قال تعالى رادا على اليهود والنصارى في كذبهم وافترائهم وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ أي نحن منتسبون إلى أنبيائه وهم بنوه ، وله بهم عناية ، وهو يحبنا ، ونقلوا عن كتابهم أن اللّه تعالى قال لعبده إسرائيل : أنت ابني بكري ، فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه ، وقد رد عليهم غير واحد ممن أسلم من عقلائهم وقالوا : هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام ، كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم : إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ، يعني ربي وربكم ، ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة ما ادعوها في عيسى عليه السلام وإنما أرادوا من ذلك معزتهم لديه وحظوتهم عنده ، ولهذا قالوا : نحن أبناء اللّه وأحباؤه ، قال اللّه تعالى رادا عليهم قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ أي لو كنتم كما تدعون أبناءه وأحباءه ، فلم أعد لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم ؟ وقد قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء : أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه ، فلم يرد عليه ، فتلا عليه الصوفي هذه الآية قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ وهذا الذي قاله حسن ، وله شاهد في المسند للإمام أحمد « 1 » حيث قال : حدثنا ابن أبي عدي عن حميد ، عن أنس ، قال : مر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في نفر من أصحابه ، وصبي في الطريق ، فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ ، فأقبلت تسعى وتقول : ابني ابني ، وسعت فأخذته فقال القوم : يا رسول اللّه ، ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار . قال : فحفظهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال « لا واللّه ما يلقي حبيبه في النار » تفرد به أحمد . بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ أي لكم أسوة أمثالكم من بني آدم ، وهو سبحانه الحاكم في جميع عباده يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي هو فعال لما يريد ، لا معقب لحكمه ، وهو سريع الحساب ، وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما أي الجميع ملكه وتحت قهره وسلطانه ، وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ أي المرجع والمآب إليه ، فيحكم في عباده بما يشاء ، وهو العادل الذي لا يجور . وروى محمد بن إسحاق « 2 » عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : وأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نعمان بن آصا « 3 » وبحري بن عمرو وشاس بن عدي فكلموه ،
--> ( 1 ) مسند أحمد 3 / 104 . ( 2 ) أورده الطبري في تفسيره 4 / 505 . ( 3 ) في الطبري وسيرة ابن هشام 1 / 514 : « أضاء » .